الفنجان يتذكّر: صنعة قراءة القهوة كما يعرفها أهلها

قراءة الفنجان من داخل الصنعة: طقس القلب على النيّة، مناطق الفنجان، ولماذا قوائم الرموز بداية لا نهاية — وما الذي تبحث عنه العين الخبيرة حقًا.
ثمة لحظة، بعد الرشفة الأخيرة، يكون فيها الفنجان دافئًا في اليد والمجلس ساكنًا. أكثر الناس يمرّون بها عجلين. وأهل هذه الصنعة يقولون: هنا تقع القراءة حقًا — وما بعدها فكُّ حروفٍ ليس إلا.
من أين جاءت الصنعة
قراءة الفنجان أحدث عهدًا من قراءة الكفّ والنجوم، لأن القهوة نفسها حديثة عهد بالدنيا. خرجت الحبّة من اليمن في القرن التاسع الهجري، وكان أهل الطرق في نواحي المخا يشربونها ليسهروا على الذِّكر، ثم بلغت الأستانة في منتصف القرن العاشر، وهناك وُلد بيت القهوة. ونشأت قراءة الرسوب — التِّفل كما تسميه العامة — في البيوت العثمانية بعد ذلك بقليل: صنعةَ نساءٍ تتوارثها الجدّات، تُمارَس على أطراف الحديث لا في عزلة. وليس هذا حاشيةً في الكتاب؛ هذا هو المتن. حين سجّلت اليونسكو ثقافة القهوة التركية في التراث الإنساني سنة ٢٠١٣ وصفتها بأنها طقس ضيافةٍ وكلام — والفال يسكن ذلك الكلام. فنجانٌ يُقرأ في صمت، من غريب، خارج سياقه، نصفه فارغ سلفًا.
الطقس على وجهه
تبدأ الصنعة قبل أن يظهر رمز واحد. تشرب من جهة واحدة من الفنجان، على مهل، وخاطرك يذهب حيث يريد هو لا حيث تسوقه. فإذا لم يبقَ إلا الثفل الثقيل عقدتَ النيّة — وهي هنا أختُ النيّة التي تسبق العبادة، همٌّ واحد لا حاجات مبعثرة — ثم تُطبق الصحن على الفنجان وتقلبه نحو قلبك. ثم تنتظر. الفنجان الحارّ قراءته خاسرة؛ يحتاج الرسوب دقائقَ لينزلق ويجفّ على هيئته الأخيرة، ويحتاج السائل الدقائق نفسها ليسكن. والعارفون يعدّون الانتظار من القراءة، لا مقدمةً لها — فالصبر عندهم إشارة أولى.
جغرافيا الفنجان
العين المدرَّبة لا ترى سطحًا واحدًا بل مناطق. الحافّة تنطق بالقريب — أيامك وظاهر عيشك. والوسط يحمل الأسابيع المقبلة. والقاع يحفظ العميق القديم: الشعورَ الذي تحت الشعور. والأُذن — مقبض الفنجان — هي أنت: بيتك وبدنك؛ فالشكل الذي يجاورها قريب من الدار، والشكل نفسه في الضفة الأخرى من حكاية غيرك. وبعض المدارس تقرأ الصحن وحده، بابًا على الدنيا خارج جدرانك. وليس هذا حسابَ غيبٍ، بل رياضةً لإبطاء العين — كما يُدَرَّب المقرئ على الترتيل قبل المقامات.
قوائم الرموز أوّل الطريق لا آخره
كل مبتدئ يطلب المعجم: الطير خبر، والسمك رزق، والحيّة خصيم، والطريق سفر. حسنٌ — لكن اسأل قارئةً وخَطَ الشيبُ رأسها تُخبرك أن المعجم بابُ الدار لا صدرُها. هي تقرأ النِّسَب: أيطير الطير نحو الأُذن أم عنها؟ أيبلغ الطريقُ الحافةَ أم يتحلّل في نصفه؟ أتتكاثف الأشكال ثقيلةً في القاع — موسمٌ يجرّ أثقالًا قديمة — أم تتناثر خفيفةً مفتوحة؟ وتقرأ الفراغَ النظيف حيث لم يستقر شيء، وتسميه راحة. قد يرى قارئان في الفنجان الواحد شكلين مختلفين، والصنعة تقول: كلاهما قد أصاب، لأن الرسوب ليس رسالةً من الغيب، بل انتباهُك أنت يُرَدُّ إليك صُوَرًا — وهي الآلية الصادقة نفسها في الحبر والجمر، أُلبست طقسًا. وقد كتبنا عن تلك الحاسة الخافتة في الحاسة الهادئة، وعن الورقة مرآتها في الحبر شاهدًا.
أدب القارئ
تحمل هذه الصنعة أدبَها كما تحمل تقنيتها. لا يُقرأ فنجانُ مفجوعٍ قريبِ العهد بفجيعته؛ لن يريه الفنجان إلا فجيعته. ويُشرَب مع السائل أولًا — فالقراءة حقُّ جليسٍ لا سلعةُ زبون. وإذا أظهر الفنجان عسيرًا فالقاعدة القديمة: قُله برفق، وقُله مرة، واترك صاحبه أكبرَ من مشكلته. وفي بعض الأيام تكون أكرمُ قراءةٍ هي الامتناعَ عنها — وقد بسطنا القول في ذلك في حين تقول القراءة: لا. وأهل هذه الصنعة الأوائل جمعوا الميزان كله في مثلٍ واحد: لا تصدّق الفال ولا تبقَ بلا فال. فإذا حُمل الفنجان بهذه الخفة صنع ما صنعه دائمًا — يتذكّر أين ذهب انتباهك حقًا، ويردّه إليك.
المكتبة تُعلّم الحرفة. والقراءة تُنزلها عليك أنت.
احصل على قراءتك الشخصية

